انظر إنه الذي يجلس وراء النافذة المطلة على البحر. وهو، الذي يطيل النظر إلى المارة ويتبعهم في عينيه إلى أن يذوبوا في لون الأفق. وإذ يكون هنا.. قد لا تجده إلا هناك. المكان وحده يتحول والزمن كرسي دَوار وهو ـــ أبو علي ـــ الذي يصير في الليل سمكة تجوب الشاطئ وتنصت إلى همس المدينة. كلهم يعرفون الحكاية، وهم لا يعترضون لأن الله قادر أن يفعل ما يشاء. أبو علي!! تضيف إلى عمره عمراً آخر،... [اقرأ المزيد]
(1) تلاقت عيونهما على طاولة العشاء. هي: أخفضت رأسها وراحت تتأمل قدميها الصغيرتين، ثم تلقي بأسئلتها تحت أحذية أخوتها. تريد أن تنصهر هذه الأسئلة الجارحة، أو أن تذوب على البلاط. ولكن للأسف، الأسئلة تنمو كنبات الفطر. تخرج من كل زوايا المنزل، من الكراسي العتيقة، من دفاترها الجامعية، من وجه ماهر، من حيطان الحارة. "ما بك يا رفاه؟" "لست جائعة يا أمي" نهضت ودخلت غرفتها. شيء طبيعي أن لا تكون... [اقرأ المزيد]
مؤكد أني أغلقتُ باب المنزل وأنا أغادره. لكنّي حين تلّفتُ، شعرت أن الباب مفتوح، صعدت الدرج بهدوء ودفعت الباب فانفتح فوراً. أنا واثقة أني أقفلته جيداً خوفاً من دخول أحد أثناء غيابي. شعرت بالخوف وأنا أتفقد غرف المنزل. لم أجد أي شيء قد تغيّر، فقط باب الشرفة الغربية كان مفتوحاً. "لا بدّ أني نسيته" رنّ جرس الهاتف فتسمّرت مكاني. "لن أردّ" قلت بصوت عالٍ وكأني أبلّغُ رسالة لهذا الهاتف. توقعت... [اقرأ المزيد]
إسمع.. هذا اليوم لن أحمل لك سندويشة الجبن. أتسمع؟ لماذا عليّ أن أحمل لك كل يوم سندويشة ساخنة؟ أخبئها بين كتبي وأخفيها عن عيون أمي؟ صحيح أني كبرت، وصرت في الجامعة، لكن -وحياتك يا علي- أنا أخاف أمي. بل أحترم كلامها ونظراتها. يوم رأتني أول مرة أدرج لك سندويشة قالت: لمن الثانية؟ سكتُ. لم أجرؤ أن أقول اسمك. وعندما كررت السؤال، ارتبكتُ دون أن أعرف السبب. لم أستطع القول بأني أحبك. لأن هذا لم يكن... [اقرأ المزيد]
صحيح أنني أتشاجر مع أمي. وصحيح أني ألقي بوصاياها في الهواء. "احترم الأكبر منك. القناعة كنز لا... الدنيا مقامات..." و.. و.. وصايا كثيرة ترشها عليّ كل صباح وأنا أحلق ذقني. تشتمني، تصرخ، وأحياناً تنظر إليّ صامتة وفي عينيها نظرة عتب تفوق الصراخ والكلام إيلاماً وتوجعاً. مع ذلك لا أشعر بالذنب ولا بتأنيب الضمير، ولا أدري سبباً لهذا التبلّد الذي أعزوه أحياناً إلى الزمن المتغير، المتبلّد، كلٌ بدأ درب... [اقرأ المزيد]
في المقعد المجاور لمقعدي، جلست. امرأة أنيقة. لها شعر يشبه شعر صديقتي فاطمة. كدت أناديها: فاطمة؟! انشغلت بمرآتها. ابتسمت لنفسها. رائع أن يحب الإنسان نفسه. - أحياناً أكره نفسي يا بشر. أكره الكرسي الذي أجلس عليه. أكره الورق القاعد على طاولتي- أصلحت المرأة وضع زينتها، رشّت العطر ثم التفتت إليَّ: "جئتِ وحدكِ" هل السؤال لي؟! لم أرد. تساءلت سراً. ولكن لم يسمع السؤال أحد غيري. هناك أسئلة كثيرة... [اقرأ المزيد]
هبطتْ الدرج بتثاقل. "صباح الخير" ألقتها على الجارة التي تكنس الدرج. "قولي صباح الشقاء" تابعتْ نزول الدرج. ترتدي بلوزة خضراء وبنطلوناً أسود. الهواء الشرقي يلفح وجهها. تلوّح لسيارة تاكسي، تعبرها مسرعة. سيارة زوجها تركن عند الباب. "هذه سيارة رجل لا أخصّه" كانت تحدث نفسها، وكأن الصباح رطباً وبارداً. المدينة منكمشة تحت لحاف الصباح. بعض الأطفال يركضون باتجاه المدرسة. المرأة العجوز التي تسكن... [اقرأ المزيد]
"كأني أمسح أزمنة" (1) غرفتي نائية جداً وضيقة جداً جداً مع ذلك يستطيع البحر أن يدخلها، ويفرش أغطيته الزرقاء على أرضها، وعلى أسرّتها المورقة. ويستطيع الامتداد على وسائدها، وجدرانها. ثم يثرثر كثيراً... كثيراً. قد لا أسمعه. وهو يهشم كل الوصايا. وقد يخفي حذاءه تحت السرير ويسير بهدوء على رؤوس أصابعه. يمرر أنامله على الأشياء النائمة كي لا يوقظها ثم يندس بين الأغطية. قد يسهر... [اقرأ المزيد]
(1) "لااستطيع أن أصدق ذلك". الجميزة الوحيدة عند الزاوية تهدلت أغصانها، لامست الرصيف. كان الهواء يعبث بأغصانها ويطلق صوتاً شجياً كأنه أنّات عوده الحزين، مدرسة البنات المجاورة -للجميزة- خرجت كلها. اصطفت البنات ثم جلسن على الرصيف. راحت الجميزة تنتحب، فانتحب الجميع. لا أقدر kأن أصدق. الفتاة ذات الشعر الأسود والقامة الهيفاء، الذابلة النظرة، راحت تلم الدموع في كفيها. بين الأصابع الرقيقة نبتت زنابق... [اقرأ المزيد]
" أنا التي أسمعه أينما كنت " حبيبي الذي أشرب صوته -كل صباح- مع القهوة، لم يتصل هذا اليوم. بردت القهوة. تكومت على نفسها، نعست وأمالت برأسها ثم أخذت تفرط دموعها على الطاولة. فتحت النافذة، رأيت الشمس تخرج من قميصها وتمضي. ورأيت الصباح يتمشى في الشارع. دعوته لكي يشرب القهوة. رفض. ضاق المنزل. اكتأبت زهرة الجلّنار على النافذة. أرخيتُ الستائر. استرخى الظلام., أنا صرتُ قبرّة تنقر القهر. (2) هو... [اقرأ المزيد]
قميصها الأزرق مايزال معلقاً على الشماعة. هو يحدّق بالقميص والقميص يتنهد. لقد تعب من الانتظار وتعبت الشماعة من الوقوف. ... ... ... لايدري لماذا حمل قهوته إلى غرفة النوم. أشعل سيجارة وجلس مقابل القميص بعد أن أقفل الباب على نفسه ووضع المفتاح في جيبه. "لاتشعل السجائر أرجوك، الدخان يختفي". يتلفّت حوله، يطفئ السيجارة، يسمع قهقهة النافذة "لاأحد هنا غيرك" نظر حوله. رأى صورته في المرآة، يبدو أنه... [اقرأ المزيد]
قال لها: أنا بعيد جداً. مدن كثيرة تمتد بيننا، وموجٌ شاسعٌ بين أعيننا، مع ذلك أسمع صوتكِ، فتكونين معي. وحين أمشي على ضفّة البحيرة تكونين معي أيضاً. أشعر أنه يكفي أن أحرّك أصابعي لألمس أصابعكِ وأشم عطركِ. أو لأحضن قامتك الرهيفة. غصّت، ولم تقل شيئاً. كانت عاجزة عن الكلام أمام غول المسافة القابع بينهما. أبعدت السماعة قليلاً كي لايسمع نحيب شوقها، وتمزّق أنفاسها. "أتسمعينني؟ " "تنهدت. ألا... [اقرأ المزيد]
"ثرثرة في المحطة" دون استئذان جلس إلى طاولتي. فنجان قهوتي برد، والثلج يرخُّ وراء الزجاج المغبّش. نظرت إلى وجهه. لم أقرأ شيئاً. الوجه أول صفحة في جسد الإنسان، والوجه أوّل باب للدخول إلى العوالم الباطنية. مسافرون يغادرون. مسافرون يدخلون. القاعة الواسعة تتكسر فيها الأصوات والخطى والوجوه. دخانٌ وكؤوس وكراسي بلاستيكية بيضاء. عطور تمتزج بالزفير ورائحة الفطائر المحروقة. صوت ينفلش في القاعة كلها.... [اقرأ المزيد]
أقسم بأني لم أزعل. ماذا لو تبادلنا الأمكنة والأزمنة؟ الروح تسير عارية، والجسد لايتوكأ على ذاكرة. إذن الأمور تجري ببساطة. بلا عقد. وبلا قيود. أعرف أني لم أقل شيئاً حتى الآن .أليست هذه مقدمة لقصة؟: فليفرح النقاد: لقد خالفتهم. لكن هذا ماحدث فعلاً. هذه المرّة لن أقسم بالمزارات، ولا بسنديانة جدي برهوم. صدقتم أم لم تصدقوا، الأمر ماعاد يهمني. أنا أحكي لنفسي. كل يوم أقصُّ الحكاية، أشذّبها، وأحياناً أزيد... [اقرأ المزيد]
1-نشرة الأحوال أيقظها المطر. خربش على النوافذ، ثم نقر بقوة فاستيقظت. "ماذا تريد أيها المطر؟!" "أريد أن أشرب القهوة معك" "اتركني أرجوك. إني نعسانة. كنت أرفو جوارب الطريق كي يمشي بي إلى الأمام، لقد تعبت من وقوفه. وكنت أرتب حطب البرد كي أشعله في مساء قادم. أظن سيعمّ البرد. يهطل الثلج.. تبرد القلوب، فتبرد الحروف. تهرب من برد إلى برد. لكنهم سيجدونها، أخيراً، ميتة على قارعة المدارس" "ياه... [اقرأ المزيد]
"أرواح ممسوخة" "ابتعدوا عنّي" قالها وراح يخلع عمامته، ثم يعلقها إلى الساموك. بعد ذلك خلع سترته السوداء. دخل الحمام... توضأ. وجاء يفرش سجادة الصلاة. تحلقنا حوله حتى انتهى. أمي تدخل وتخرج صامتة. هي لا شأن لها إلا بالمطبخ والغسيل والرد على الطلبات اليومية. ابنه البكر أنا. محمد بن حاج زكوان. لا بدّ أن أبي مجروح منّي أنا تحديداً. اقتربت أقبلّ يديه. "ماذا هنالك يا أبي؟ تعرف بأني كنت مسافراً. قل... [اقرأ المزيد]
فستان الشيفون الأسود" (1) لاأعرف لماذا انزعجت. (2) كنت أرتدي فستان الشيفون الأسود. وكنت أعاني صداعاً نصفياً حاداً. الغرفة المحجوزة لي في الطابق الرابع، واسعة: سريران ونافذة تطلّ على ساحة المدينة. قرنفلة حمراء في الكأس، وحبوب الصداع على الطربيزة. شراشف ملونة كأن خريفاً تساقط عليها. موعد الحفلة لم يحن بعد. مازالت الطريق التي اجتزتها عالقة بقدمي. أجرجره من الغرب باتجاه الشمال والشرق. ساحبة... [اقرأ المزيد]
-1- نامي الليلة أيتها السماء لا تنظري إليَّ وأنا ألمَّ أشلائي وأبكي عليَّ.. نامي لا تخرجي غداً من قميص المساء قلبي يتمشّى وغداً أشجار الحديقة تصحو هذا التراب يخنق روحي ويغلق أنين الفضاء على يديَّ -2- نامي أيتها السماء صوتي ينزُّ من شقوق العصور لاتنظري إلى بهو حزني فأنا خنقت كلَّ الزهور لا تلمسيني لا تحتمي بي ظلّي كما أنتِ طريقاً للخلاص ظلّي... [اقرأ المزيد]
<<الصفحة الرئيسية








