م . أنيسة عبود . قهوة ونعنع وكثير من البوح
هذه المدونة أنشأت من قبلي كهدية لكل من يحب أن يقرأللكاتبة القاصة والروائية والشاعرةم. أنيسة عبود. سماح محمدالعلي
.
.

على مفترق الأزمنة

كان لا بد لي من انتشال شيء من ذاكرتي كلما لاح لي وجه الربيع مطلاً من نوافذ الزمن البعيد. متشحاً بالأسئلة
" من هذه المرأة "
أرنو إلى الوجه المسور بالأسئلة وإلى يديه المغروستين في ماء البدايات حيث كنت طفلة وكانت قدماي تتخاصمان مع الأحذية وجسدي يتخاصم مع الثياب الفاخرة .
" قلت : من أنت "
حقاً من أنا .. لست أدري أي ظل يتبعني أو يسبقني . لست أدري أم مصاطب قريتي قد امتدت إلى رصيف المدينة . كان الربيع يحملق بي مشرعاً كل أزهاره وأمطاره وشمسه . يشدني من يدي إليه يأخذ محفظتي القماشية .
يرميها على الأرض فتروح دفاتري وكتبي في ولولة ودحرجة على الطريق الموحل .. وتروح وظائفي تتعرى أمام الخوف القابع بي من المعلمة .
" لماذا توسخين دفاترك أيتها الفلاحة الصغيرة "
" لماذا توسخين حذاءك بالوحل ومريولك بالطين ؟"
لماذا .. لماذا .. أوه .. أف لماذا ما تزال تنبت في دربي وتعرش على خطواتي كيفما مشيت وكيفما نظرت .. والربيع يقف لي دائماً أمام تقاطع السنوات والأيام .
مرة يقهقه ومرة يبتسم . وأخرى يدير ظهره لي ويغوص في صمت مخيف . أتجه إليه . أغمر وجهي في شمسه فأراه يذرف دمعة كبيرة تضيء وتعكس ألف صورة لألف وجه .
" من أنت ؟
أحقاً تسأل يا سيدي الربيع ؟ اركض إلى المرآة ..
أتفرس في وجهي " أتراها امرأة أخرى هذه التي أراها .."
أمسك يد الربيع أشده نحوي .. " أنا.. أنا سيدي . تلك الطفلة التي كانت تصبَح على النهر في الذهاب والإياب إلى مدرستها . فترقص أصابعها من البرد وتزرق شفتاها من الصقيع . فترقص أصابعها من البرد وتزرق شفتاها من الصقيع . وأنا التي كانت تضع أمها لها التين زوادة . وتخجل كيف ستأكل خبزها , لا لشيء إلاَ لأن أمها تخبز على التنور .
وتجدَل شعرها دون شرائط ولا أزهار يومها منعوها من الرقص في أعيادك الرائعة . " عيد الثورة .. وعيد الخصيب .. وعيد الجلاء .. وعيد الأم . وعيد المرأة لأنها لم ترتد حذاء يليق .. وثوباً فاخرا . أنا هي .
" يطل الربيع صامتاً .. ويظل وجهي مبقعاً بالنفور والغضب والذنب "
أرفع صوتي صارخة " أنا تلك الفتاة التي كانت تتمشى في باحة المدرسة وحذائي مدبوغ بالوحل .. ويداي مدبوغتان بالبرد والعشب ورائحة التراب - والوكف - و رماد أحطاب القطن .. وأنا التي كتبت على أوراق الزيتون ورسمت على كروم التين سيرة الارض والزرع والطفولة المشروخة بالذهاب والإياب .
بالبرد والمطر والانتظار . ولكن لست أدري ما الذي كنت أنتظره ؟! كنت أشعر اني أترقب شيئاً ما . عالماً ما .
بزوغاً آخر .. ووهجاً جديداً وكان لا بد أن يأتي ولا بد أن تراني وأنا أتقمص وجوهاً وأزمنة .. كنت فرحة .. وكان فرحي يطول ويشمخ كالشجر الذي يشمخ دائماً إلى السماء ولكن كانت السماء كل يوم تبتعد أكثر .
" لماذا تسوق إليَ نظراتك الحادة ووجهك الغاضب .
هل أنا مذنبة لأني غيرت تاريخ ميلادي وتاريخ ميلادك ؟ أنظر .. اني أرتدي الثياب الرائعة .. وأحضر حفلات الشيراتون و ..
كان الربيع مكفهراً .. وكانت الغيوم تتلبد في السماء فأخذ المطر في الهطول .
" هل تزورين قريتك .."
" كان سؤالاً فجَاً وصعباً "
أنا فعلاً لم أعد أزور القرية . ولم أعد أعرف أين قبر والدي .
ثم ماذا تعني الزهور التي يزرعونها على القبور وهل الموتى أحياء وهل يحبون الرائحة ؟! لماذا نكذب على الأزهار .. ونكذب على التراب ليس مهماً أن أعرف قبر أبي .. ولا تاريخ موته .. ولا ..
" آخ .. وتمتد يد الربيع تصفعني بشدة " أسقط على الأرض يتمرغ جسدي بالتراب. ارفع رأسي عالياً إلى الرجل المنتصب أمامي كأنه السلطان المارد..
كأني جارية . وكأنه الأمير
قلت : لست وحدي من شيع وجهه .. وضيع قبر والده . كلهم مثلي ..
كان لا بد لي من تقمص وجه غير وجهي .. وصوت غير صوتي ومدينة لا تشبه مدينتي كي أستطيع الدخول إلى محراب هذا العالم الفظيع .. أنا لا أقدم أعذاراً ولا أقدم اتهاماً .. ولا أقدم نفسي : فأنا غير أنا , قلت ذلك وافترقنا .
 
 
أنيسة عبود

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.