أُسقط في يدي.. ورأيت المطارات تتكوّم في حقيبتي. ورأيت أيلول يدّق الباب.. لا شيء يوقف هذا الغياب المقلق، ولا عصا تنهر هذا العجز المستبد، كان يمكن أن تؤجل سفرك قليلاً حتى ننهي قهوتنا مثلاً، أو حتى ينتهي الورق الأصفر من الكلام.. كان يمكن أن تغادر والفناجين فارغة، والحروف صامتة... لا أن ترحل وفي أصابعي كلام، وعلى شرفة بيتي بحرٌ يقصُّ الحكايات وكان على ـ درابزون ـ الباب وجوه تنتظر ورد البكاء، وفي الأدراج مناديل تود أن تطير.. كان يمكن أن تنتظرني لأقص عليك كيف أترك مقعدك للأيام، لا أنفض الغبار حتى لايطير صوتك، أو يهرب عطرك.. يمكنك أن تتخيل كيف تركت الأبواب موصدة، وكيف غصَّ الكلام بالكلام... كان لدي أشياء كثيرة وددت أن أسردها عليك.. كأن أسمع صوتك يناديني وأنت في آخر الدنيا، أو أسمع وقع قدميك وأنت تسير في الممرات... وإذ أخبرك عن آخر الحروب وآخر الانتصارات تقف وتحمر عيناك تعبيراً عن عجزك عن الكلام.. عند ذلك أخبرك بأني عاجزة أنا أيضاً عن الكلام، والعالم يبدو فقد الكلام وفقد القدرة على إطلاق الأسماء... إذن ماذا نقول عن هذا الصمت العالمي أمام مايحدث الآن؟! وهل نقدر أن نطلق اسماً مناسباً على بعض الفضائيات العربية وعلى بعض الشخصيات التي لا تشبه إلا نفسها وزيفها وكذبها... اعذرني أود أن اسمي ولكن ها هي المسميات تخونني، حتى أكاد أصاب بداء الصمت. ألهذا رحلت؟ ألأنك ضيعت الكلام أم فقدت من يسمعك؟! أتريد أن تختبر بشراً آخرين وأزمنة أخرى؟ ماذا نسمي إذن قهوتنا الصباحية؟!. <!--&&mo09-18-06/hor.jpg&&--> وماذا نسمي صراخنا حين نسمع كلاباً تنبح وذئاباً تعوي وتكاد تخرج من الشاشة؟ ماذا نسمي دموعنا حين مرت تلك العجوز الجنوبية وهي تنحني وتلملم صوت ابنها عن الخراب ورائحة زوجها عن التراب؟ ألا يعني ان هناك من يسمعك؟ من يشاركك؟! فماذا لو أنهيت قهوتك بهدوء وتركتني أكمل صمتي حيث للصمت لغة أخرى بالغة التعبير والتأثير أحياناً؟ على الأرجح كنت سأجمع خطواتك وأحبسها في الغرفة. أو كنت سأشغلك بحكاية منديل أمي أو عمامة أبي أو ربما سأحدثك عن الحزين وغيومه المسرعة وحزنه الأبدي.. ربما سأحدثك عن خسارتنا للنقاء، وخسارتنا للحقيقة وقد أفعل مثل شهرزاد كي لاينتهي الكلام فتؤجل الرحيل... وأظن أني لن أدخل في حوارات عاطفية.. لن أذكرك بشجيرة العليق على ضفة النهر والتي هي أكبر عمراً من أمك.. ولن أخبرك عن شجرة الزيتون التي اقتلعها رئيس البلدية حيث جاءت مخالفة للمخطط.. سأقول لك فقط: لماذا صنعوا بلديات الريف؟! هل هذا يعني ان نرى أكياس القمامة على الطرقات التي كنا نمشيها؟! وأسراب الأسى في الحارات؟!. برأيك ماذا تفعل البلديات في قرانا؟! أنا لن أجيب ولا أنت ستبحث عن الجواب.. ها أنا أهرب من لغتنا الهامسة، إلى لغة صاخبة كي ننسى وجعنا وننسى مقاعد المطارات.. لا أريد أن أتذكر تلويحة يد تضيع في الهواء بينما قلبي يتبعك.. وحين أغلق الباب وأعود إلى مقعدي.. أدرك أني أغلق الباب على زمن مضى وآخر يأتي قادماً من وراء المجهول المخيف .. أتمنى عند ذلك لو أجرو وافتح الباب مرة أخرى لأكتشف هذا المجهول إلا أني أدرك عجزي فأكمل القهوة وأنتظر لعل نقراً جديداً على بابي المغلق.. لعلنا نكمل القهوة. 
.
.
الجمعة, 07 ديسمبر, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









من سوريا
المحترمة أنيسة عبود
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سعيد أيما سعادة بالمرور من هذة الروضة
ويشرفني ان ادعوك لقراءة مدونتي والتعليق عليها
فمثلك رأيه يهم كل صاحب قلم
بكل احترام
هاني درويش